ابن أبي الحديد

225

شرح نهج البلاغة

وأما الخبر الثاني وهو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي ، عن أبيه ، ففيه إشكال أيضا لأنه قال : إنها طلبت فدك ، وقالت أن أبى أعطانيها ، وإن أم أيمن تشهد لي بذلك ، فقال لها أبو بكر في الجواب : أن هذا المال لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان مالا من أموال المسلمين ، يحمل ( 1 ) به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ، فلقائل أن يقول له : أيجوز للنبي صلى الله عليه وآله أن يملك أبنته أو غير أبنته من أفناء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين ، لوحي أوحى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له ان يحكم بالاجتهاد ، أو لا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله ذلك ؟ فإن قال : لا يجوز ، قال ما لا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه ، وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى ، بل قالت : أم أيمن تشهد لي ، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة ، ولم يتضمن هذا الخبر ذلك ، بل قال لها لما ادعت وذكرت من يشهد لها : هذا مال من مال الله . لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بجواب صحيح . وأما الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة ، ففيه من الاشكال مثل ما في هذا الخبر ، لأنه إذا شهد لها على ع وأم أيمن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وهب لها فدك ، لم يصح اجتماع صدقها وصدق عبد الرحمن وعمر ، ولا ما تكلفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم ، لان كونها هبة من رسول الله صلى الله عليه وآله لها يمنع من قوله : ( كان يأخذ منها قوتكم ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله ) لان هذا ينافي كونها هبة لها ، لان معنى كونها لها انتقالها إلى ملكيتها ، وأن تتصرف فيها خاصة دون كل أحد من الناس ، وما هذه صفته كيف يقسم ويحمل منه في سبيل الله !

--> ( 1 ) ا : ( ويحمل ) .